حلمي موسى:

 

أحدث قرار البيت الأبيض بالاعتراض على زيادة المعونة الأميركية لإسرائيل كما وردت في قرارٍ للكونغرس، صدمةً قوية في إسرائيل. ورغم أن القرار الرئاسي الأميركي لا ينحصر تحديداً في البند المتعلق بإسرائيل، وإنما ببنودٍ تبلغ كلفتها 16 مليار دولار أقرت في الكونغرس ذي الأغلبية الجمهورية، فإن ذلك لا يُشّكل عزاءً لإسرائيل. وأثيرت تصورات بأن القرار الرئاسي الأميركي ينطوي على أبعاد سياسية واقتصادية وعسكرية هامة الأثر على دولة الاحتلال. وهذا ما قاد إلى موجة انتقادات حادة من جانب زعيم المعارضة في إسرائيل اسحق هرتسوغ الذي رأى أن حكومة نتنياهو أضّرت بالعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
وإسرائيل التي كثيراً ما تدخلت في الشأن الداخلي الأميركي مؤخراً، وجدت نفسها أمس في ورطةٍ كبيرة أساسُها الخلاف بين الإدارة الديموقراطية والأغلبية الجمهورية في الكونغرس حول ميزانية الدفاع الأميركية للعام 2017. فقد أعلن البيت الأبيض أنه سوف يستخدم حق النقض (الفيتو) ضد بنودٍ بقيمة 16 مليار دولار في مسودة قانون الميزانية الذي تبلور في الكونغرس. ومن بين هذه البنود، مبلغ 455 مليون دولار أقرّها الكونغرس كزيادةٍ للمعونة الأميركية بغرض تطوير منظومات الدفاع ضد الصواريخ.
وجاء في بلاغ قسم الميزانية في البيت الأبيض أن «الإدارة تعارض زيادة 455 مليون دولار لطلب الميزانية (لوزارة الدفاع) للعام 2017 بغرض شراء وتطوير مشترك لمنظومات دفاع ضد الصواريخ لصالح إسرائيل». وأضاف البلاغ أن الإدارة تعارض أيضاً طلب الكونغرس تقليص 324 مليون دولار من طلب ميزانية وزارة الدفاع للعام 2017، والمخصصة لتطوير منظومات أميركية للدفاع ضد الصواريخ البالستية.
وبعد البلاغ الأميركي، سارعت المعارضة لمطالبة نتنياهو بالتوقيع على اتفاقية المعونة وإنهاء الأزمة مع إدارة أوباما. واتهم عدد من أعضاء الكنيست نتنياهو بالإضرار بمصالح إسرائيل الأمنية. وقال زعيم المعارضة اسحق هرتسوغ إن «المعونة الأميركية حيوية للدفاع عن مواطنينا، والآن بسبب ألاعيب ذاتية لرئيس الحكومة، نحن نخسر قسماً حاسماً منها. إن الشجار المخبول مع أهم حليف لنا يصل اليوم للانفجار، وحالياً كل مواطني سديروت وكريات شمونه يُحتمل أن يدفعوا ثمن غطرسة نتنياهو وقلة مسؤوليته في العلاقة مع الولايات المتحدة، وخصوصاً مع البيت الأبيض».
وقال هرتسوغ إنه «إذا بقيت إسرائيل في الحرب المقبلة من دون منظومة دفاع جوي، فبالوسع من الآن تشكيل لجنة التحقيق التي ستفحص كيف يتخذ نتنياهو القرارات بشأن أمن إسرائيل». من جهتها، قالت وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني إنه «مؤلمٌ رؤية كيف أن أمن إسرائيل يتضرر جراء علاقات عكرة مع الإدارة الأميركية. وحتى من يظنون أنه جيد أن رئيس الحكومة يهاجم الرئيس الأميركي، يرون اليوم أضرار تقييد المعونة لإسرائيل. آمل أن تجد المسألة حلاً».
كما حمل زعيم «هناك مستقبل» يائير لبيد على نتنياهو، معتبراً أن بلاغ البيت الأبيض «يشدد الحاجة للعمل، عبر الحفاظ على مصالحنا الأمنية، والتوقيع على اتفاقية المعونة بأسرع وقت ممكن».
وقد طلب ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية من جميع الوزراء والمتحدثين الرسميين عدم التعليق على النبأ. وأعلن ديوان نتنياهو أنه «ليس هناك أي تقليص في المعونة الأميركية. الحديثُ يدور عن سجال داخلي بين الكونغرس والبيت الأبيض على حجم الإضافات السنوية لخطة الدفاع ضد الصواريخ. والمعونة الأمنية للدفع ضد الصواريخ، ليس أنها ستتقلص، بل أنها سوف تزداد. ومحاولة تحويل الحوار مع أميركا إلى أداة للمناكفة السياسية في إسرائيل ليست أمراً جديراً، والذعر ليس في محله».
واعتبر مختصون أميركيون أن قرار البيت الأبيض هو جزءٌ من «المساومات مع الكونغرس حول الأرقام النهائية لميزانية الدفاع». والأهم أن بلاغ البيت الأبيض لا يتعلق بالمعونة الأميركية لإسرائيل، بقدر ما يتعلق بميزانية الدفاع الأميركي للعام 2017، والتي تؤثر جزئياً على إسرائيل. ومعروف أن المعونة الأميركية لإسرائيل التي يجري التفاوض بشأنها تتعلق بالفترة ما بين 2018 إلى 2028.
ومع ذلك، يُعتقد بأن للبلاغ صلة غير مباشرة بالمفاوضات الجارية مع إسرائيل بشأن المعونة السنوية. وذكرت «هآرتس» أن أحد شروط الإدارة الأميركية لتمرير اتفاقية المعونة تطلب تعهداً إسرائيلياً بألا تحاول في العشر سنوات المقبلة إجراء اتصالات موازية ومستقلة مع الكونغرس لنيل زيادات استثنائية سنوية، والاكتفاء بما يتقرر في اتفاقية المعونة. وكان اتفاق المعونة السابق يمنح إسرائيل ثلاثة مليارات دولار سنوياً، لكن إسرائيل كانت تحصل على زيادات لتمويل مشاريع تطوير ونشر منظومات مضادة للصواريخ مثل حيتس والقبة الحديدية.
وبحسب ما نشرت «هآرتس»، فإن إدارة أوباما عرضت على إسرائيل مساعدةً سنوية بقيمة 3.7 مليار دولار في السنوات الأولى، تزداد بعدها إلى أربعة مليارات دولار لاحقاً وأكثر، بحيث يكون مجموع المساعدة 40 مليار دولار في عشر سنوات. لكن إسرائيل رفضت التعهد بعدم العمل بشكل مستقل مع الكونغرس، ولذلك عرضت أميركا زيادة متواضعة تجعل مجموع المساعدات 34 مليار دولار في العقد المقبل. وقد رفض نتنياهو العرض الأميركي، وهو لا يزال يطالب بمساعدة لا تقل عن 40 ـ 50 مليار دولار في العقد المقبل.
في كل حال، لا تزال اتفاقية المعونة والتوقيع عليها مع إدارة أوباما تمثل معضلة حقيقية لحكومة نتنياهو. فهناك من يطالب باستغلال الفرصة والتوقيع مع أوباما وعدم انتظار الرئيس المقبل. وهناك من يرى أن إسرائيل لن تخسر شيئاً إذا انتظرت إلى حين خروج أوباما من الحكم في كانون الثاني المقبل. وكانت شبكة «بلومبرغ» الاقتصادية نشرت قبل يومين تقريراً شاملاً عن المسألة، قالت فيه إن قسماً من مستشاري نتنياهو يضغطون عليه لإبرام الاتفاق مع أوباما، في حين يرى مستشارون آخرون أن الاتصالات مع دونالد ترامب قد تكون مجدية.
في كل حال، جاء رد الفعل الأول على بلاغ إدارة أوباما من اللوبي الصهيوني في واشنطن، «إيباك»، الذي أعلن «خيبته العميقة»، من معارضة الإدارة لتمويل إضافي لإسرائيل. وقال البلاغ إنه «على أساس ثنائي الأحزاب، زاد الكونغرس التمويل أكثر من طلب الإدارة هذا العام، كما كان يفعل جيداً طوال أكثر من عقد». وأشار إلى أن «المشاريع المشتركة» مثل «حيتس» و«مقلاع داوود» و «القبة الحديدية»، تعتبر «حاسمة لأمن إسرائيل في مواجهة منظومة متزايدة من الصواريخ، وهي تسهم مساهمة هامة في منظومة الدفاع الأميركية ضد الصواريخ. ونحن نثني على قرار الكونغرس الداعم لمشاريع التطوير هذه بشكل دؤوب، ونحث على التمويل الكامل في المصادقة على ميزانية الدفاع الوطني 2017 وفي التخصيصات الفعلية».
وأشار المراسل العسكري لموقع «والا» أمير بوحبوط إلى أن عدداً من الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وعلى رأسها الصناعات الجوية، سوف يتأثر سلباً بقرار البيت الأبيض. ومعروفٌ أن الصناعات الجوية وشركة «رفائيل» تشاركان في مشاريع تطوير «مقلاع داوود» و «القبة الحديدية» مع عدد من الشركات الأميركية. وأشار إلى أن الصناعات العسكرية ووزارة الدفاع ينتظران الرد الذي سوف يبلوره نتنياهو الذي سيرسل وزير دفاعه الجديد أفيغدور ليبرمان الأسبوع المقبل إلى أميركا للمشاركة في تدشين أول طائرة F-35 ستسلم لإسرائيل بشكل رسمي.