علي حيدر:

لم تنجح المحاولات الفرنسية، في زحزحة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن موقفه المعارض بشدة للمبادرة الفرنسية، التي تقوم على عقد مؤتمر دولي لحل القضايا العالقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

فبعد محاولة وزير الخارجية الفرنسي، جرب رئيس الوزراء مانويل فالس، حظه في محاولة إقناع نتنياهو بجدوى المبادرة وبكونها تصب في مصلحة إسرائيل، لكن رفْض الأخير المتوقع، لم يكن إلا صدى للثوابت التي يعتمدها وهي رفض أي تدخل دولي مباشر في المفاوضات، وضرورة أن تكون «مباشرة» بين إسرائيل والسلطة، مع أنه أقر أمام ضيفه الفرنسي بأن هذه المفاوضات باتت «مشكلة شائكة»، لكنه رأى فيها «الطريق الوحيد للمضي قدما نحو السلام».
وكشفت تجارب السنوات الماضية عن أن خلفية تمسك نتنياهو بالمفاوضات المباشرة مع السلطة، تكمن في أنه يرى فيها فرصة للمناورة وللتسويف على أمل تكريس الواقع القائم في الضفة المحتلة. وليتجنب أيضا أي ضغوط دولية قد تمارس عليه للتوصل إلى اتفاق نهائي. نتنياهو، أوضح جانبا من خلفية موقفه المعارض للمبادرة الفرنسية، بالقول إن «تمنيات» التوصل إلى اتفاقية، «لن تتحقق بالإملاءات الدولية وبالمؤتمرات التي تشارك فيها دول من العالم تجلس وتريد صنع قراراتها حول مصيرنا، في الوقت الذي لا تضطلع فيه هذه الدول بأي دور على هذا الصعيد».

ومن أجل تجنب هذا «التدمير»، يرى نتنياهو أن على الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، كما لفت إلى ضرورة وضع القيادة الفلسطينية من خلال المفاوضات المباشرة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاعتراف بالدولة اليهودية، وإما الاستمرار في تربية شعبها على مفهوم إزالة إسرائيل ذات يوم.
وتعكس الأبعاد الوجودية، التي حاول أن يضفيها على موقفه وشروطه، مستوى رفضه الجذري لكل هذه الطروحات، بل لم يكتف نتنياهو بأخذ دور المحاضر حول الطريق الأصح للتوصل إلى اتفاق نهائي، ورأى أن مثل هذه المبادرة «تسمح للقيادة الفلسطينية بالتهرب من الاختيار الصعب… ومن التوصل إلى حل وسط»، ووسيلة «للتملص». هكذا تحول الطرف الفلسطيني، وفق الخطاب السياسي والدعائي الإسرائيلي، إلى الطرف المعرقل الذي لا يملك جرأة القرار والجدية في اتخاذ قرارات مصيرية للتوصل إلى إقامة دولة له. أيضا، تجاوز نتنياهو الفروق الموضوعية الجوهرية التي تميز المسار الفلسطيني عن المسارين المصري والأردني، من أجل الاستدلال على جدوى المفاوضات المباشرة. واستغل نتنياهو المؤتمر الصحافي مع نظيره الفرنسي للإعراب عن استعداده «لاتخاذ القرارات الصعبة»، متوجها إليه بطلب المساعدة على إطلاق مفاوضات مباشرة جرت تجربتها مرارا ولم تصل إلى نتيجة، وهو ما يراهن عليه نتنياهو.
كذلك أعرب عن استعداده لتأييد أي مبادرة فرنسية أخرى تصب في هذا الاتجاه. ففي هذه المحطة اختار أن «يضرب ضربته» الدعائية عبر اقتراح يبقي من المبادرة الفرنسية اسمها، ولكن على مستوى المضمون تتبنى الاقتراح الإسرائيلي بعقد مفاوضات مباشرة. وإكراما لباريس، فليكن اللقاء مع رئيس السلطة «في قصر الإليزيه» على أن يجلس وحده وجها لوجه مع محمود عباس. وليطرح عندها كل المشكلات الشائكة: «الاعتراف المتبادل، والتحريض والحدود واللاجئون، وحتى المستوطنات».
بطبيعة الحال، ما لم يتطرق إليه نتنياهو، النتيجة هي نفسها التي تكررت في مرات سابقة، والفشل الذي يأمله ويسعى إليه، وتكون السلطة هي المذنبة. أما عن التنازل الذي سيقدمه، فهو «التخلي عن أي ارتباطات أخرى، والتوجه جوا إلى باريس غدا»!