علي حيدر:

للوهلة الاولى، يوحي توزيع تقرير الرباعية الدولية الإنتقادات على كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية، كما لو أنه متوازن ويتمتع بقدر من الموضوعية. لكنه في الواقع يكرّس السقف الإسرائيلي للتسوية، ويحاول فرض معادلات على الطرف الفلسطيني شعباً وسلطةً وفصائل تلبي تطلعات الطرف الإسرائيلي على مستوى الأمن وشرعنة الإحتلال ومحاولة سلب الفلسطينيين الحد الأدنى من أوراق القوة والضغط المقابل.

وتناول التقرير ما يراه تهديدات رئيسية على طريق التسوية بين كيان يحتل فلسطين وسكان البلاد الأصليين، الفلسطينيين، ممثلاً بما سماه التحريض وعدم إدانة العمليات التي تأتي رداً على الاحتلال، وبالإستيطان الزاحف الذي يحول دون حل الدولتين.
وبالرغم من الإنتقاد الرسمي الإسرائيلي للتقرير، نظرت جهات اسرائيلية إلى الوجه الاخر منه ورأت أنه أكثر توازناً من قبل، وبدت توصياته أكثر اعتدالاً، لكن هذه النتيجة لم تتبلور إلا بعد حملة اتصالات مكثفة أجرتها حكومة العدو مع أطراف الرباعية (الأمم المتحدة، الإتحاد الأوروبي، أميركا، روسيا) بهدف التخفيف من حدة الإنتقادات لإسرائيل.
على هذه الخلفية رحّبت حكومة العدو بالبنود التي تناولت السلطة، اما بخصوص الإنتقادات التي لا ترتقي الى حقيقة السياسات الإسرائيلية، فقد رد عليها ديوان رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو بالقول إنها «لا تتعامل مع الجذور الحقيقية للصراع».
ويأتي هذا الموقف ترجمة للسياسة الدعائية التي تعمل عليها القيادات الإسرائيلية، بهدف طمس حقيقة أن أصل المشكلة يكمن في الإحتلال الصهيوني لفلسطين وتهجير اهلها، وأن كل ما تلاه ليس سوى تفريع عن هذا الجذر. ولدى التدقيق في مجمل تقرير «الرباعية»، يلاحظ أنّه يتجاهل ويعمل على طمس هذه الحقيقة. ويحاول فرض معادلات للتسوية تقوم على أساس شرعنة احتلال فلسطين ومحاولة تحديد معالم ساحة التحرك المسموح بها للشعب الفلسطيني، بما يتلاءم مع تطلعات الطرف الاسرائيلي.

ضمن السياق نفسه، حرص بيان مكتب نتنياهو على تحديد نقطة الخلاف برفض الفلسطينيين الإعتراف بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي. وبعبارة أخرى لا يكتفي العدو، ومعه الكثير من الجهات العربية والدولية، بالسعي لمحو حقيقة أن اصل احتلال فلسطين هو المشكلة الرئيسية، من الوجدان الفلسطيني والعربي، واستبدال ذلك بعناوين تتصل بموقف من هذه القضية أو تلك، كي تصبح هذه القضايا هي الرئيسية والمحورية. وتصبح أي مرونة إسرائيلية تجاهها كما لو أنها انجاز «تاريخي» للشعب الفلسطيني.
إلى ذلك، فإن خطورة التوصيف الإسرائيلي لا ينطلق فقط من كونه ينطوي على تنازل وتسليم بإحتلال فلسطين وشرعنته، بل هو مطالبة بإقرار فلسطيني بأن وطنهم هو حق للشعب اليهودي، ونفي وإنكار أن يكون لهم أي حق فيه. وبالنتيجة تصبح كل مراحل المقاومة التي خاضها الشعب الفلسطيني في تاريخه كما لو أنها اعتداء على اليهود، كما تروج أدبيات الحركة الصهيونية. ويصبح من بقي من سكان البلاد الأصليين، فلسطينيو 48، بعدما هجرت الحركات الصهيونية أغلبيتهم الساحقة، جالية غريبة لا علاقة ولا صلة لها بفلسطين، بإعتراف فلسطيني رسمي.
ايضاً، رأى بيان رئيس الحكومة، أن تقرير الرباعية «يخلد الاسطورة التي تقول إن البناء في الضفة الغربية هو عقبة أمام السلام». في المقابل، يعكس التأكيد المتواصل للاسرائيلي في حقه بالإستيطان، والأداء العملي للحكومات الاسرائيلية، حقيقة أن الإستيطان ليس قضية ثانوية في السياسة الإسرائيلية بل هو هدف استراتيجي تسعى تل أبيب بكل الوسائل الى تحقيقه. ويأتي امتداداً لعمليات الإستيطان الأولى التي أدّت لاحقاً إلى بناء دولة إسرائيل. ويسعى بناء المستوطنات الى تهويد ما تبقى من أرض فلسطين التي لم تسمح الظروف السياسية السابقة بتحقيق هذا الهدف الإستراتيجي.
تسعى إسرائيل، أيضاً، من خلال هذه المواقف الى شرعنة استغلال حالة المراوحة السياسية التي تشهدها التسوية، من أجل فرض وقائع ديمغرافية وجغرافية. حتى إن بيان نتنياهو أعرب عن قلقه من أن التقرير يبدو كمن يتبنى الموقف الذي يقول إن «الاستيطان في الضفة الغربية يمنع، ظاهراً، تحقيق حل الدولتين»!
وهكذا يلاحظ أن الرد الإسرائيلي كان مدروساً وهادفاً ومنسجماً مع السياسة الدعائية الإسرائيلية التي تسعى الى شرعنة الزحف الإستيطاني وصولاً إلى تبلور الواقع الذي تطمح اليه، إما عبر فرض الوقائع، أو عبر تسوية سياسية مُحدَّدة، وفي كلتا الحالتين يبقى الهدف واحدا، وإن اختلف الاسلوب.