حلمي موسى :

 

قليلة هي الاتفاقيات التي أثارت في إسرائيل مشاعر متضاربة جداً كاتفاق المصالحة مع تركيا. ولا يعود الأمر في الواقع إلى ما تضمّنه الاتفاق من بنود يرى كثيرون أنها كانت أقرب إلى الحل الوسط مما هي إملاء من طرف لموقفه على الآخر. وربما أن أهم ما تضمنه الاتفاق أنه كان محاولة للخروج من أزمة تضرّرت فيها مصالح الطرفين بسبب اندفاعة وراء مشاعر. وهو ما يُعتبر في كل من تركيا وإسرائيل مسألة كرامة قومية.
ومن الوجهة العملية فإن تركيا حققت مطالبها الخاصة المعلنة والمتعلقة أساساً بشرطيها: الاعتذار والتعويض. ورغم أن كل الأنظار تركزت لاحقاً على ما صار يوصف بأنه خلاف بين تركيا وإسرائيل على مسألة رفع الحصار عن قطاع غزة وهو ما عرضه الأتراك كشرط ثالث، إلا أن المعطيات تدلّ على أن شرط التعويض شكل عقبة جدية لسنوات. وليس صدفة أن أغلب الانتقادات التي وجهت للاتفاق داخل إسرائيل ركزت ليس على الاعتذار، وإنما على التعويض. وكان واضحاً أن شرط رفع الحصار عن غزة لا يمكن أن يرقى لمستوى الشرطين الآخرين.
ومع ذلك لاحظ باراك رابيد في «هآرتس» أن «الإنجاز الاستراتيجي الاهم لنتنياهو هو أنه نجح في جعل تركيا تتراجع عن طلبها رفع الحصار البحري عن القطاع بشكل كامل. كان طلب تركيا هو السبب في خروج القافلة البحرية الى غزة. اتفاق المصالحة كما هو الآن يشكل عملياً اعترافاً تركياً بأنها اخطأت عندما سمحت للقافلة بالخروج، واعترافها باحتياجات إسرائيل الأمنية في ما يتعلق بغزة، وطلب إسرائيل بأن كل بضاعة تذهب الى غزة يجب أن تمرّ عن طريق ميناء أسدود».
ويعتقد كثيرون أن التعويض كان يعني أساساً إقراراً بالمسؤولية عن تبعات أي فعل تمارسه القوات الإسرائيلية ويسقط فيه ضحايا. ولاحظ هؤلاء أن هذا يشكل سابقة قد تدفع إسرائيل ثمنها لاحقاً في علاقاتها، إن لم يكن مع الدول المعادية، فعلى الأقل مع الدول المصالحة. والمسألة لا تتلخّص فقط في الجانب المالي بقدر ما تتعلق أيضاً بالإقرار بالمسؤولية وهو ما تتجنّب إسرائيل فعله على الدوام.
ورغم أن بعض منتقدي الاتفاق، خصوصاً في أوساط اليمين الإسرائيلي، اعتبروا أن القبول بالتعويض يشكل «إهانة قومية»، فإن مؤيدي الاتفاق أشاروا إلى وجوب رؤية الصورة الكاملة. فتركيا، من جانبها، اضطرت مقابل ذلك إلى القبول بسن قانون في برلمانها يسحب كل الدعاوى من أتراك ضد إسرائيليين شاركوا في اقتحام مرمرة. ولم تكتف إسرائيل بذلك بل دفعت تركيا إلى إسقاط كل دعوى يمكن أن تقدم لاحقاً وتحمل المسؤولية عن ذلك برد مبلغ التعويض إن أقيمت دعوى.
وواضح أن جانباً هاماً من العقبات التي واجهت الاتفاق تمثلت أساساً في ما أشاعته الأوساط اليمينية في إسرائيل حول الصدام بين نزعتين للكرامة الوطنية في إسرائيل وتركيا. والكل يتذكر أن هذا الصدام بدأ قبل مرمرة بكثير حينما أجلس نائب وزير الخارجية الإسرائيلية في حينه السفير التركي في تل أبيب على مقعد منخفض ليجلس قبالته على مقعد عالٍ ولينشر الصورة لتأكيد وضاعة تركيا مقارنة بمجد إسرائيل.
وبعد ذلك جرى تضخيم المواقف التركية، خصوصاً الصادرة عن أردوغان، ومحاولة تصويرها على أنها انتقال لتركيا من حالة الصداقة إلى حالة العداء. ومراراً جرى حث الجمهور الإسرائيلي على معاقبة تركيا اقتصادياً بتجنب الذهاب للسياحة فيها والعمل على إيجاد بدائل في اليونان وبلغاريا ودول أخرى. ولكن عناد الوقائع قاد الإسرائيليين إلى إدراك محدودية أثر هذه الدعوات: ما توفره تركيا أكبر من أن يتمّ تعويضه بهذه السهولة. وعدا ذلك فإن تركيا، بمكانتها في حلف الأطلسي وموقعها الاستراتيجي، أفلحت في الإثقال على إسرائيل في العديد من المحافل السياسية والأمنية التي هي عضو فاعل فيها.
ولهذا السبب ابتلع قادة اليمين ألسنتهم ووافقوا على اتفاقية المصالحة التي كانت أيضاً مطلباً أميركياً بامتياز. وحتى المعارضة التي أبداها كل من قادة البيت اليهودي وإسرائيل بيتنا كانت أقرب إلى الموافقة الصامتة. فحراس مرمى الكرامة الوطنية وانتصاب القامة القومية اضطروا للقبول بالواقع والذي أساسه أن من الأفضل لإسرائيل مع تركيا عنها من دون تركيا. وهذا ما اعتبره الكثيرون لقاء المصالح الجوهري.
والمصلحة هنا ليست لطرف واحد وليست مقصورة على مستوى واحد. فهي مصلحة استراتيجية أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية على حد سواء. وقد فتح ترميم العلاقة مع تركيا الباب أمام إسرائيل لرفع مستوى مشاركتها في مداولات حلف الناتو ونشاطاته. كما أن كثيراً من المعلقين يرون أن الاتفاق بين تركيا وإسرائيل يسهل بلورة «تحالف الاعتدال» الموالي لأميركا في المنطقة والذي سيجمع علناً، وللمرة الأولى دولاً عربية وإسرائيل.
ومعلوم أن حجم التجارة بين تركيا وإسرائيل يزيد عن 6 مليارات دولار سنوياً وأن ميناء حيفا صار بوابة للبضائع التركية إلى دول عربية عبر الأردن بعد اضطراب وضع حركة النقل عبر سوريا والعراق. وقد أضيف إلى ذلك مؤخراً الاهتمام المتزايد بقطاع الغاز بعد أن صار احتمال مرور الغاز من إسرائيل إلى أوروبا محفزاً للاقتصاد التركي. ولكن لا يقلّ أهمية عن ذلك أن تركيا قادرة على الاستثمار في إسرائيل في العديد من القطاعات ويمكنها أن تشكل شريكاً صناعياً هاماً فضلاً عن كونها أقرب الأسواق الكبيرة إليها.
وهناك من يضيف إلى ذلك إمكانية أن تلعب تركيا دوراً حاسماً في الوساطة مع «حماس» على أساس ترسيخ الوضع القائم ومنع تدهوره نحو حرب جديدة. وفي كل حال فإن ما تأمله إسرائيل من الاتفاق ليس العودة إلى ما كانت عليه العلاقات سابقاً بقدر إبعاد تركيا عن إيران وتشجيع إنشاء نظام اقليمي سياسي اقتصادي استراتيجي جديد يساعد بشكل مباشر وغير مباشر في أمن اسرائيل.