حلمي موسى:

 

أخيراً وبعد طول تأجيل ومماطلة نشرت الرباعية الدولية بشأن الشرق الأوسط تقريرها.
ووجَّه التقرير انتقادات شديدة لكل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية، الأولى بسبب الاستيطان والقتل البطيء لحل الدولتين، والثانية بسبب التحريض وعدم إدانة العمليات ضد الإسرائيليين. وأعربت السلطة الفلسطينية عن خيبتها من التقرير، معتبرة أنه لم يلبِّ تطلعات الفلسطينيين، فيما رفضت إسرائيل التقرير، واصفة بـ «الخرافة» كلام الرباعية عن أن الاستيطان ينسف السلام.
وأشار التقرير الذي قُدِّم أمس إلى مجلس الأمن الدولي إلى أن المسار الراهن الذي يتواجد فيه الإسرائيليون والفلسطينيون يبعد احتمال تحقيق حل الدولتين، ويخلق وضعاً يزيد فيه من تجذر واقع دولة واحدة لشعبين. وخلا التقرير من أي دعوة جدية للطرفين للعودة إلى طاولة المفاوضات، لكنه تضمن دعوة صريحة لإسرائيل بوقف الاستيطان والسيطرة الزاحفة في المنطقة «ج»، فضلاً عن دعوة السلطة إلى وقف التحريض.
وقد ترافق إقرار أعضاء الرباعية الدولية لصياغة هذا التقرير في شباط الماضي مع الإعلان عن مبادرة السلام الفرنسية. وحينها بدا وكأن أعضاء الرباعية لا يريدون لفرنسا أن تظهر وكأنها قائدة المسيرة السلمية في المنطقة، ولكن هناك دلائل الآن على أن التقرير والمبادرة يسيران بشكل متواز ويخدمان أحدهما الآخر. ويعتقد أن تقرير الرباعية سيعجل في مناقشة أزمة المفاوضات في مجلس الأمن الدولي، ما يشكل عنصراً ضاغطاً على الطرفين للعودة إلى طاولة المفاوضات بسرعة.
وقد صاغ التقرير المبعوث الأميركي لشؤون السلام فرانك ليفنشتاين والمبعوث الروسي سيرغي فرشينين والمبعوث الأوروبي فرناندو جنتليني والمبعوث الدولي نيكولاي مالدنوف. وبحسب ما نشر سابقاً فقد تم تداول عشرات المسودات التي كانت تتبدل وتتغير وفقاً لمواقف الأعضاء، ومدى تأثرهم بالتغييرات الدولية والضغوط من الطرفين.
ومعروف أن الحكومة الإسرائيلية شنَّت في الأسابيع الأخيرة حملة اتصالات شخصية وهاتفية مكثفة مع أعضاء الرباعية بقصد تلطيف انتقاداتها لإسرائيل. وبحسب الصيغة النهائية التي نشرت أمس، ورغم احتوائها على انتقادات قوية، فإن إسرائيل تشعر أنها أقل بكثير من الصياغات التي كانت في البداية. وعلقت بعض الجهات الإسرائيلية على التقرير، قائلة إنه أكثر توازناً من ذي قبل، كما أن توصياته معتدلة أكثر مما أوحت الصياغات الأولية.
وفي كل حال، يشير الفصل الأول من التقرير إلى العنف والتحريض، ويوجه انتقادات شديدة للسلطة الفلسطينية ولرئيسها، ويتهمهما بأنهما لا يفعلان ما يكفي لمحاربة الإرهاب ووقف التحريض ومنع العمليات. وقال التقرير إن «استمرار العنف والعمليات الإرهابية الأخيرة ضد الإسرائيليين والتحريض على العنف لا يستويان مع تحقيق حل الدولتين ويفاقمان انعدام الثقة بين المجتمعين». وأضاف أن «الوفاء بالالتزامات بالعمل بنجاعة ضد العنف، الإرهاب والتحريض يعتبر حاسماً لبناء الثقة ومنع تصعيد إضافي يبعد فرص السلام».
ورغم أن تهمة التحريض موجهة بشكل أساسي إلى السلطة الفلسطينية، إلا أن التقرير يتحدث بشكل عابر عن تحريض في الجانب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، فضلاً عن عمليات «تدفيع الثمن» التي ينفذها متطرفون يهود. وينتقد التقرير ردود الفعل الإسرائيلية الشديدة على العمليات الفلسطينية ويرى أنها تزيد التوتر. ويورد كمثال عمليات القتل التي ينفذها إسرائيليون ضد فلسطينيين من دون مبرر، وعدم تقديم جنود يرتكبون ذلك لمحاكمات منصفة.
وأوصى التقرير في هذا الفصل باتخاذ جملة تدابير من الجانبين لتقليص التوتر، وطالب «الجانبين بالعمل لمنع العنف وحماية أرواح وأملاك المواطنين، بما في ذلك عبر استمرار التنسيق الأمني وتعزيز قدرات أجهزة الأمن الفلسطينية».
أما الفصل الثاني، فركز على الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، مشيراً إلى استمرار البناء الاستيطاني في الضفة والقدس الشرقية وتزايد هدم بيوت الفلسطينيين ومنع تطوير حياة الفلسطينيين في المنطقة «ج». ويرى التقرير أن هذه الأمور «تقضم بشكل مستمر إمكانية حل الدولتَين وتتجاهل أسئلة مشروعة بشأن نيات إسرائيل طويلة الأجل». ويوضح أن علامات الاستفهام هذه تزداد في ضوء تصريحات عدد من الوزراء الإسرائيليين حول حظر إنشاء دولة فلسطينية إلى الأبد.
ويقول التقرير إنه رغم الاتفاقات الموقعة، فإن إسرائيل توقفت عن نقل الصلاحيات المدنية في المنطقة «ج» للفلسطينيين، وفي حالات معينة تراجعت عما كانت قدمته. وحذر من أنه إذا لم تستأنف عملية نقل الصلاحيات في المنطقة «ج» للفلسطينيين فإنه قد ينشأ واقع دولة واحدة لشعبين. وانتقد التقرير استمرار سيطرة إسرائيل التامة على المنطقة «ج» التي تشكل 60 في المئة من أراضي الضفة الغربية، والمفترض أن تشكل احتياطاً استراتيجياً للدولة الفلسطينية. ويشدد على أن إسرائيل سيطرت من طرف واحد على 70 في المئة من المنطقة «ج»، أما الـ 30 في المئة الباقية ومعظمها أراض خاصة، فإن إسرائيل تصادر تطورها عن طريق حظر البناء فيها.
ولاحظ التقرير أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية تضاعف منذ إبرام اتفاقيات أوسلو. وأشار إلى سكن 370 ألف مستوطن في الضفة الغربية، بينهم 85 ألفا في مستوطنات منعزلة، إضافة إلى 200 ألف آخرين في مستوطنات القدس الشرقية.
وأشار فصل آخر إلى الوضع في قطاع غزة، حيث حذر التقرير من أن الوضع الإنساني في القطاع، والتأجيل في إعادة إعماره، واستمرار تعاظم القوة العسكرية لـ «حماس»، وباقي المنظمات وغياب كل تواجد للسلطة الفلسطينية تعرض للخطر استمرار وقف النار، وقد يدفع نحو حرب جديدة.
وفي فصل التوصيات، طالب التقرير إسرائيل بتغيير سياستها بشكل حاد في كل ما يتعلق بالبناء في المستوطنات والمنطقة «ج». وأضاف أن على إسرائيل المسارعة بنقل الصلاحيات المدنية في المنطقة «ج» للفلسطينيين وفقا للاتفاقيات الموقعة سابقاً من أجل تطوير حياتهم العامة. وشدد على أن بالوسع تحقيق حل الدولتين ولكن عبر اتخاذ خطوات تغير الميل القائم. وطالب الطرفين باتخاذ خطوات تسهل تحقيق حل الدولتين. وأثنى التقرير على مبادرة السلام العربية، والحاجة إلى «بناء إطار أمني إقليمي وندعو إلى حوار على هذا الأساس».
وكما سلف، عبرت السلطة الفلسطينية عن خيبة أملها من التقرير. وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات إن التقرير «يحاول المساواة بين شعب يعيش تحت الاحتلال وبين مسؤولية الاحتلال الأجنبي». واعتبر أن «قسماً من الجهات في الأسرة الدولية يحاول التهرب من مسؤوليته عن تنفيذ القانون الدولي، وحماية الشعب الفلسطيني وتجسيد حقه في تقرير المصير».
ورفض رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو دعوة اللجنة الرباعية حول الشرق الأوسط إلى وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقال نتنياهو، في بيان، إن تقرير اللجنة الرباعية «يبقي على الخرافة بان الأبنية الإسرائيلية في الضفة الغربية هي عقبة أمام السلام. عندما جمدت إسرائيل الاستيطان لم تحصل على السلام».
وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فدريكا موغيريني إن «هذه هي المرة الأولى منذ أكثر من عقد نحدد فيها العقبات أمام السلام والشروط الواجب توفيرها لتحقيق سلام دائم. وعلى زعماء الجانبين إظهار التزامهما وتنفيذ توصيات التقرير بحذافيرها. فاليأس سيقود لعنف إضافي».