لا يختلف اثنان على أن الكمبيوتر بمفهومه التقليدي شارف على النهاية. المسألة مسألة وقت لا أكثر. فكيف تستعد آبل ومايكروسوفت، أكبر شركتين في سوق الكمبيوتر، للتعامل مع مستقبل هذا السوق المهم وتحدياته؟

منذ ظهور كمبيوتر Apple II من آبل، والانتشار الواسع بعد ذلك للكمبيوتر الشخصي PC من مايكروسوفت، والكمبيوتر عبارة عن شاشة عرض، وفأرة، ولوحة مفاتيح باختلاف أشكالها وأنواعها. ولكن ابتكار آيفون iPhone في 2007 أحدث تغييرا مهما وتأثير كبيرا انتقل فيه تركيز السوق عموما إلى تلك الأجهزة الذكية الصغيرة التي باتت لاحقا أشبه بكمبيوتر جيب مع شاشة تعمل باللمس.

أما الثورة الحقيقية التي حصلت في سوق الهواتف الذكية فقد أوقد شعلتها الزيادة الملفتة في سرعة معالجات الأجهزة المحمولة وانخفاض كلفتها، والانتشار الكبير للإنترنت الخليوي واللاسلكي السريع.

وشهد سوق الـ “غادجيتس” Gadgets أيضا ظهور ابتكارات مميزة في الآونة الأخيرة، مثل أمازون إيكو، وغوغل كرومكاست، ومايكروسوفت هولولينس، وفيسبوك أوكيولس ريفت، مهدت الطريق نحو حقبة جديدة كليا في عالم الكمبيوترات وملحقاتها، فالكمبيوتر اليوم يمكن أن يكون أي شيء، وممكن أن يتواجد في أي مكان.

كمبيوترات اليوم يمكن أن تتحدث إليها مباشرة كما تتحدث مع أحدهم، أو ترتديها حول معصمك، أو تضعها على وجهك، وربما تكون مجردة شاشة فقط، أو دون شاشة أصلا. وكل ما نشهده ما هو إلا البداية لمستقبل رائع وغني بالابتكارات.

وبالنسبة لمايكروسوفت وآبل، اللتين لطالما ارتبط اسمهما بصناعة الكمبيوتر الشخصي، فإن هذا التطور يشكل منعطفا في غاية الأهمية لمستقبلهما. فالشركتان أمضتا عقودا في تطوير ودعم مجتمعات من المطورين لكتابة البرمجيات التي تمثل عصب الحياة بالنسبة إلى صناعة الكمبيوترات. وبالتالي فإن الشركتين تسارعان بالاستجابة للمتغيرات قبل أن يتم سحب البساط من تحت أقدامهما.

وكلاهما منهمك في تحضير الخطط الرئيسية التي تضمن لهما استجابة قوية وصحيحة للمتغيرات الكبيرة الحاصلة في سوق الكمبيوتر، بغض النظر عما ستؤول إليه الأمور في النهاية.

تتمتع آبل بقوة كبيرة في ظل الأرباح الضخمة التي تحققها كل سنة، إلا أنها تسيطر على حصة صغيرة نسبيا من السوق. أما مايكروسوفت فما زالت تستأثر بحصة الأسد من سوق الكمبيوتر الشخصي.

وفي المقابل يعتبر نظام أندرويد التي تملكه غوغل القوة المهيمنة في سوق الهواتف الذكية، مع معدلات نمو لافتة، لا سيما في الأسواق النامية. ولا شك بأنه بات يشكل تهديدا لكل من آبل ومايكروسوفت، ذلك أن المطورين دائما ما يميلون إلى التركيز على الشريحة الأوسع من الجمهور. ومع التغيرات الكبيرة الحاصلة في سوق الكمبيوتر، يتعين على أبل العمل على ضمان استمرار تدفق التطبيقات الخاصة بهواتف آيفون.

وبالفعل جاءت آبل عام 2014 بحل ذكي للتعامل مع هذا التحدي من خلال الإعلان عن لغة برمجية جديدة لكتابة التطبيقات الخاصة بهواتف آيفون، اسمها “سويفت” Swift، لاقت استحسانا لافتا من مجتمع المبرمجين باختلاف مشاربهم، وحلت مكان اللغة السابقة Objective C. وما يميز اللغة الجديدة أنها أبسط، وأسرع، وأفضل، وأسهل للتعلم من باقي اللغات الأخرى. وتسوق آبل “سويفت” على أنها الخيار الأفضل للجميع، وخصوصا الأطفال، لدخول عالم البرمجة. وعمدت كذلك إلى طرح اللغة مجانا كمصدر مفتوح للجميع كي لا تقتصر فقط على أجهزة آيفون، ولتدعم أندرويد ولينكس أيضا.

والحيلة هنا أن سويفت بالأساس لغة مصممة للعمل على أجهزة آيفون، وبالتالي فإن أي كود برمجي مكتوب بلغة سويفت، لأي نظام تشغيل آخر، سيكون من السهل جدا تحويله إلى آيفون، والعكس ليس بالسهولة نفسها. ليس هذا فحسب، بل حتى إذا قررت آبل يوما طرح منتج جديد، كسيارة مثلا أو نظارات واقع افتراضي، فإنها ستدعم سويفت بالطريقة ذاتها.

أما مايكروسوفت فالمستقبل بالنسبة إليها يدور في فلك نظام التشغيل ويندوز. فعندما طرحت “ويندوز 10” قامت بجمع الهواتف الذكية، وكمبيوترات اللوح، ومنصة الألعاب، ونظارات الواقع الافتراضي كلها تحت منصة كبيرة واحدة. وهكذا فإنها بدلا من التعويل على لغة برمجية واحدة متعددة المنصات على غرار ما فعلته آبل مع سويفت، آثرت مايكروسوفت التركيز على نظام تشغيل قياسي واحد فقط.

وهكذا فإن رؤية مايكروسوفت تتمحور حول “ويندوز 10” التي تعتبره نظام التشغيل الرئيسي الذي تستند إليه كل الأجهزة المقبلة بكل أشكالها وأنواعها. وتقول الشركة إنها توفر بذلك منصة شاملة، وطريقة واحدة وسهلة لتطوير التطبيقات، بصرف النظر عن الجهاز المستخدم أو المستهدف.

ولكن في الواقع فإن مايكروسوفت تلعب هي الأخرى لعبة أكبر وأعمق مما يبدو للعلن، إذ أنها تعمل منذ فترة، وبشكل بطيء ومدروس، على طرح مجموعة رائعة ومنوعة من الأدوات المجانية لمجتمع المطورين، لعل أهمها “زامرن” Xamarin التي تتيح للمبرمجين تطوير تطبيق مرة واحدة بلغة سي شارب #C، ومن ثم نشره في كل مكان، بدءا من ويندوز، مرورا بالويب، وانتهاء بآيفون وأندرويد. والأمر يلقى بطبيعة الحال حماسة كبيرة في أوساط مطوري التطبيقات، إذ أنه يتيح لهم تطوير تطبيقات أصلية لكل أنظمة التشغيل الخاصة بالكمبيوترات والأجهزة والمحمولة في آن معا.

والسر هنا أن “زامرن”، إلى جانب أدوات أخرى مثل “فيجوال ستوديو” تمهد الطريق بطريقة غاية في البساطة لاستخدام منصة الحوسبة السحابية “مايكروسوفت آجر” Azure لتوفير البيئة الداعمة لأي تطبيق، مثل تخزين البيانات أو معالجة الأحجام الضخمة منها.

وعليه فإن مايكروسوفت تسعى لتوفير الأدوات اللازمة للمبرمجين لاستخدامها في تطوير تطبيقاتهم، حتى ولو لم تكن موجهة لنظام التشغيل ويندوز، رغم أنها ستسعى لتشجيعهم على ذلك طبعا. وفي النهاية، طالما أن مايكروسوفت توفر ولو حتى جزءا من التطبيق، فإنها رابحة بطريقة ما، وستظل لاعبا مهما في الساحة مهما تغيرت الظروف أو تبدلت.

خلاصة القول إن التحضيرات جارية على قدم وساق لدى أكبر شركتين في سوق الكمبيوتر، آبل ومايكروسوفت، لرسم الخطط وتحديد الخطوات اللازم اتخاذها للتعامل مع التغييرات والتحديات الكبيرة الحاصلة، والمتوقع حصولها في السوق. ولعل ما يميز استراتيجية كلتا الشركتين أنها ستضمن لهما الفوز بشيء ما بطريقة ما، أو على الأقل عدم الخسارة، بغض النظر عما قد تؤول إليه الأمور في نهاية المطاف.